سنة أولى لترامب تهدّد بعواقب اقتصادية دائمة
بن كاسلمان- نيويورك تايمز
Wednesday, 21-Jan-2026 07:33

على رغم من كل الفوضى التي رافقت الطريق، تنتهي السنة الأولى للرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض باقتصاد يبدو، وفق معظم المقاييس التقليدية، شبيهاً إلى حدٍّ كبير بالاقتصاد الذي ورثه. معدّلات البطالة منخفضة، الإنفاق الاستهلاكي قوي، والتضخّم لا يزال مرتفعاً بعناد، لكنّه يتحسن تدريجاً.

الرسوم الجمركية، وهي السياسة الاقتصادية الأبرز لترامب، لم تُطلق نهضة التصنيع التي وعد بها، لكنّها في المقابل لم تتسبّب أيضاً بطفرة تضخّمية كان كثير من المتنبّئين يخشَونها. سوق الأسهم تمايل وتذبذب ليحقق مكسباً قوياً، وإن لم يكن استثنائياً (16%). محلّلون بدأوا عام 2025 بالتحذير من مخاطر عدم اليقين، أنهوا العام بالإشادة بمرونة الاقتصاد الأميركي المفاجئة.

 

أفعال ترامب لن تترك الاقتصاد من دون أذى

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد أنّ أفعال ترامب تركت الاقتصاد من دون أذى. فإلى حدٍّ أكبر بكثير ممّا كان عليه الحال في ولايته الأولى، بدأ ترامب ولايته الثانية بما يشبه هجوماً شاملاً على العديد من المؤسسات والنماذج السياسية التي طالما اعتبرها قادة الحزبَين الرئيسيَّين ركائز القوّة الاقتصادية الأميركية.

 

سعى ترامب إلى تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وأقال رئيس مكتب إحصاءات العمل، وهي وكالة تجمع بيانات اقتصادية أساسية، وخفّض التمويل المخصّص للجامعات التي تُجري قسماً كبيراً من الأبحاث العلمية المتقدّمة في البلاد. تدخّل في صفقات أعمال خاصة، واستحوذ على حصص في شركات خاصة، وهدّد مديرين تنفيذيّين في الشركات ممَّن لا يبدون تبنّياً كافياً لأولوياته السياسية، وفرض قيوداً صارمة على الهجرة، وشكّك في قيمة تحالفات أميركا، وفرض رسوماً جمركية قاسية على الحلفاء كما على الخصوم.

 

العديد من هذه الإجراءات يخضع للطعن أمام المحاكم، وقد يتمكن رؤساء مستقبليّون من التراجع عن مسار بعض سياسات الإدارة الحالية على الأقل. لكنّ اقتصاديِّين من مختلف التيارات الأيديولوجية يحذّرون من أنّ ترامب يضع البلاد على مسار سيجعل الاقتصاد، على المدى الطويل، أقل دينامية، والنظام المالي أقل استقراراً، والأميركيِّين أقل ازدهاراً في العقود المقبلة.

 

واعتبرت كيمبرلي كلاوسينغ، الاقتصادية في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وعملت في وزارة الخزانة خلال إدارة بايدن: «نحن نُضعف الخلطة الخاصة التي جعلت أميركا عظيمة إلى هذا الحدّ». لكنّ مخاوفها يتقاسمها العديد من الاقتصاديِّين من اليمين أيضاً، بمَن فيهم بعض مَن عملوا مع ترامب.

 

فانس غين، الذي شغل منصب كبير الاقتصاديِّين في مكتب الإدارة والموازنة خلال الولاية الأولى لترامب، أشاد بجهود الإدارة لإلغاء التنظيمات وخفض الضرائب على الشركات. لكنّه يرى أنّ فوائد هذه الخطوات تطغى عليها كلفة سياساتها في مجالَي التجارة والهجرة، وفشلها في كبح العجز الفيدرالي، وتدخّلها في القطاع الخاص: «بالمحصّلة، كانت السياسات سلبية للاقتصاد».

 

ومن المرجّح أن تكون الآثار خفية، تظهر على شكل تسرّب تدريجي لنمو أبطأ ومعدّلات فائدة أعلى يصعب رصدها في لحظتها. أمّا أزمة أكثر حدّة، إن وقعت أصلاً، فقد لا تظهر إلّا بعد سنوات أو عقود، أي بعد فوات الأوان لمحاسبة ترامب أو إدارته من قِبل الناخبين.

 

وأوضح غريغوري مانكيو، الاقتصادي في جامعة هارفارد الذي عمل في البيت الأبيض خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش: «نعلم من كثير من التجارب التاريخية أنّ النوعية نفسها من الأمور التي يقوم بها تتعارض مع الازدهار على المدى الطويل». لكنّه أضاف، أنّ من المستحيل معرفة متى أو أين ستظهر هذه العواقب بدقّة.

 

ناخبون قلقون

سياسياً، قد تكون أكثر القضايا إلحاحاً على المدى القصير هو فشل ترامب حتى الآن في معالجة الاستياء الاقتصادي الواسع الذي ساعده أساساً على الفوز بانتخابات 2024. فقد خاض ترامب حملته الرئاسية على وعد «إنهاء التضخّم»، بل وحتى خفض الأسعار، وهو أمر اعتبره اقتصاديّون آنذاك ضرباً من الخيال، لكنّه لامس مشاعر ناخبين سئموا سنوات من الارتفاعات الكبيرة في الأسعار.

 

لكن ما إن عاد إلى المنصب، حتى تحدّث ترامب قليلاً عن قضايا مزمنة تتعلّق بتكاليف المعيشة مثل الإسكان ورعاية الأطفال، وعارض تمديد الإعانات التي جعلت التأمين الصحّي أقل كلفة للأشخاص الذين يشترون التغطية عبر أسواق الرعاية الصحية الفيدرالية. وبدلاً من ذلك، ركّز على فرض الرسوم الجمركية، وهي سياسة حذّر اقتصاديّون من أنّها ستؤدّي إلى ارتفاع الأسعار.

 

وشارك الرأي العام هذه المخاوف بشأن الرسوم. فقد تحسن شعور المستهلكين عندما فاز ترامب بانتخابات 2024، لكنّه انهار خلال الأيام الأولى الفوضوية لإدارته. وعلى مدى جزء كبير من العام الماضي، كان أكثر من نصف المشاركين في استطلاع الثقة الاستهلاكية الذي تجريه جامعة ميشيغان منذ زمن طويل، يذكرون الرسوم الجمركية تلقائياً، وكان معظمهم يقولون إنّهم يتوقعون ارتفاع الأسعار نتيجة لذلك.

 

ومؤخّراً، أشار الأميركيّون إلى مصدر قلق جديد: سوق العمل. صحيح أنّ البطالة لم ترتفع سوى بشكل طفيف خلال العام الماضي، لكنّ التوظيف تباطأ بشكل ملحوظ، وأصبح الأميركيّون أكثر قلقاً حيال قدرتهم على العثور على وظيفة جديدة إذا فقدوا وظائفهم الحالية.

 

تحدّيات المدى الطويل

يجادل المدافعون عن ترامب بأنّ سياساته تحتاج إلى وقت لتؤتي ثمارها. فالشركات، بحسب قول أورين كاس، الناقد المخضرم للتجارة الحرة ورئيس مركز «أميركان كومباس» البحثي الشعبوي، ستضطر إلى تكييف استراتيجياتها مع عالم يشهد رسوماً جمركية أعلى وعدداً أقل من العمال المهاجرين، ثم بناء المصانع وشراء المعدات لتنفيذ تلك الخطط الجديدة.

 

قلة من الاقتصاديِّين يشاركون كاس تفاؤله حيال سياسات ترامب التجارية. لكن، وبينما هيمنت الرسوم الجمركية على النقاش العام الماضي، يرى العديد من الاقتصاديِّين أنّها بعيدة عن كونها السياسات الأكثر إضراراً التي تبناها ترامب.

 

فهُم أكثر قلقاً من محاولات ترامب تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، التي، إذا نجحت، قد تجعل من الصعب على البنك المركزي كبح التضخّم، أو، في سيناريو قد يكون أكثر ضرراً، قد تدفع المستثمرين إلى فقدان الثقة بقيمة السندات الحكومية أو الدولار.

 

وهم قلقون أيضاً من العجوزات الضخمة في الموازنة، وهي مشكلة سبقت ترامب بوقت طويل، لكنّها تفاقمت بفعل مشروع قانون الضرائب والإنفاق الذي وقّعه العام الماضي. وهذا بدوره قد يؤدّي إلى أزمة مالية في المستقبل.

 

كما يُقلقهم أن تؤدّي عملية قطع التمويل عن الجامعات وإلغاء تأشيرات الطلاب، إلى جعل الولايات المتحدة مكاناً أقل جاذبية لإجراء الأبحاث العلمية، ما يحرم البلاد من ميزة ساعدت في دفع نموها العالمي الرائد منذ الحرب العالمية الثانية.

الأكثر قراءة